حمار فى مجلس القضاء:( قصة قصيرة )

                                                                  …………………………………

اخيرا خرج الحمار عن صمته وقرر ان يلجأ الى القضاء لكى يذهب عنه تهمة الغباء التى لحقت به والتى اضرت به بين اقرانه من الحيوانات الاليفه وجعلته مسخره بين الكبير والصغير , فجرى مسرعا والغيظ يتملكه والدموع تملأ عينيه واقسم بالذى سخره على هيئته ان يلجأ الى القضاء وان يقتحم مجلس القضاء وفجأه وجد نفسه امام باب القاضى الا انه موصدا ذلك ان القاضى تعود ان ينظر فيما يعرض عليه فى صمت وفى هدوء ,

وقف الحمار لانه لم يتعود الدخول من الابواب المغلقه , ظل الحمار بالباب يدخل من يدخل ويخرج من يخرج حتى فرغ القاضى فطرق الباب برأسه لا بقدمه طرقه واحده ففتح الباب : واذ بالحاجب يفتح ويغلق فى برهه ويعود لعمله فيسأله القاضى من الطارق؟ فيجيب الحاجب ليس بالباب احد يا سيدى!

واذ بالحمار يعاود الطرق ويعاود الحاجب فتح الباب وغلقه ويتسائل القاضى من جديد من الطارق؟ فيرد الحاجب مبتسما عزرا سيدى انه حمار!

فينتفض القاضى ويقوم من مقامه مكفهر الوجهه ! حمار يطرق باب القضاء , يا لهيبة القضاء ! اين الحرس اين النظام؟

فيسرع الحرس الى القاضى معتذرين مهرولين الى الحمار كى يخرجوه، والحمار متشبس بمكانه متحملا كافة الاذى ضرب سب شتائم جارحه حتى اعجز

الحرس عن زحزحته قيد انمله،فخرج القاضى ونظر الى الحمار ، ونظر الحمار الى عيون القاضى وعيونه تذرف دمعا كبقعة الماء فوق الماء ويدنو رويدا رويدا عند قدم القاضى ويتمسح بهما واضعا رأسه عند قدمه فيضع القاضى يده على ظهر الحمار فينهض الحمار وتجف دموعه ويتراقص بأذنيه  ويتوجه القاضى الى مجلسه ويتبعه الحمار ويصمت الجميع حتى نطق القاضى اتركوه واكرموه فأنه نزل بساحة العداله التى يكرم فيها الكريم ويهان فيها اللئيم،وما هو الا دابة اتى به صاحبه وانشغل عنه فوقف القاضى ودنى من الحمار ودار حوله وهو ينظر اليه فى صمت وتفكير وقال: دعوه واغلقوا الباب، لان لديه اراده ولا بد من احترامها مهما كان.خرخ الجميع واغلقوا الباب ،وجلس القاضى ووقف الحمار ينظر الى القاضى بعينين مفتوحتين متوجهين اليه لا يرد الطرف ، صامتا لا يتحرك يتنفس بانتظام يتشبس بمكانه كأنه الجندى فى المعركه،

فقال القاضى بصوت مسموع: لو اعلم ماذا تريد؟ وحتى لو علمت فأنك لن تسمعنى ، وان سمعت فلن تعى ولو وعيت فلن تتمكن من التعبير والتواصل

وليس بيننا لغة مشتركه حتى انك ايها الحمار لا تجيد لغة الاشاره فكيف؟

سمع الحمار مقالة القاضى وقال: صدق القاضى  وهم بالانصراف وهو خجل من نفسه ، واذ بالقاضى يشير اليه باصبعه اشاره يراد بها الانصراف والانتظار معا

واذ الحمار يتلكأ فى انصرافه واذ بالقاضى يهم ان يمشى خلفه وما هى الا خطوه وعاد كل منهما الى سيرته الاولى جلس القاضى ووقف الحمار.

قال الحمار فى نفسه: نعم ما من لغة بيننا نتواصل بها مع اشتراكنا فى مشتركات جمه منها اننا مخلوقين ،نموت ونحيا، ونتكاثر ونأكل ونشرب ونألم ونحزن ونفرح ونحب ونكره وكثير وكثير ولا يحس بعضنا بعض .

حملق الحمار بعيون القاضى وهو يقول فى نفسه: اعرف من النظر الى عيون القاضى ما اذا كان حزينا ام فرحا او لا يعلم القاضى انى :

من خلق الله ومن المسبحين بحمده وان كان الله وهبنى جميع الجوارح فانه هو الذى لم يشأ ان يكملها ويجعلها تعمل عمل جوارح الانسان؟

جعل الله لى لسان لا يتكلم وعقل لا يفكر لاننى لو فكرت كما يفكر الانسان وعلمت باننى لابد لى من العيش  لفكرت فى العيش الرغد والحياة الكريمة

والمأكل الشهى والمشرب العذب والملبس الحريرى انام واصحوا كما اشاء واعمل واستريح واقبل وارفض ولو كان ذلك كذلك لما استطاع الانسان ان يمتطى ظهرى وان ينتفع من خلقى ،  واتم الله على نعمة البصر ولغة العيون هى اصدق اللغات لانها تعبر عن الحال من الداخل تبكى عند الحزن وتضحك عند الفرح

وتحملق فى حال الالم وتحمر فى حال الغضب وتسكن فى حال السكينه وتغمض فى حال النوم وتصدق فى حال الصدق وتكذب فى حال الكذب.

تم نظر الى القاضى نظرة الداعى الى تلاقى العيون ، والتقت العينان وسكنت الجوارح ويفكر كل بطريقته.

نظر القاضى الى عيون الحمار والى الاحمرار الذى يبدو له منها والدموع المتحجره عليها تريد الانزلاق وتتشبس بالشعيرات الدمويه الكثيفه داخل تلك العيون.

العيون تراقب بعضها بعضا، وهنا ادرك القاضى ان الحمار حزين غضبان اسفا فما سبب هذا الحزن وهذا الغعضب؟

سأل القاضى نفسه واجاب على نفسه بانه لو سلمنا جدلا انه حزين وانه لا يعيش الا مع الانسان فأن الانسان حتما هو سبب حزنه وغضبه ،

وهو ايضا ذلك الانسان الذى يأويه ويطعمه ويسقيه ويصبر عليه صغيرا ويستخدمه فى مواطن الاستخدام ، اذا كان كل ذلك ما الذى يغضب الحمار من الانسان؟

هل بسبب منادته له يا حمار؟ أليس هذا اسمه الوارد بالقرأن ،هل لان الا نسان يسبه ويضربه ؟ ليس بالتاكيد هذا لانه بالرغم من سبه وضربه وشتمه

يؤدى عمله دون ان يتأوه أو يتكاسل بل على العكس اذا لم يضرب الحمار ويشد لجامه بحزم يسير على هواه يركض ويرفس ويتكاسل وينفر.

اذا كيف للقاضى ان يقضى فى هذة القضيه؟  وهنا اجاب القاضى على نفسه مرة اخرى سأستخدم  علمى الشخصى وهو قانون عام يجيز للقاضى

القضاء بعلمه اذا لم توجد قاعده قانونيه ثابته.

وعلى  حسب علمى الشخصى فان ما يغضب الحمار من الانسان ليس لكونه يناديه يا حمار بل لكون الجميع يلقبونه بالغباء ، وبالتالى  فان القضيه المعروضة

هى الاجابه على التسائل المطروح والمقروء هل الحمار غبى ؟

وقبل القضاء الفصل لا بد لى ان استعرض الحمار والصفات الاساسيه التى يوجد عليها والتى تتمثل فى :

 الحمار يعمل فى صمت وجهد  ويتعرض وهو يعمل للقسوه والضرب والسب  ويقابل كل ذلك بالصمت  والصبر والجلد وعدم الشكوى ،

طويل البال  كطول اذنيه ،الا انه مستسلم رغم كونه قوى البنيان فلا يتأوه عند الضرب ، ولا يمكر عند السب والشتم ، فصبره عجز وجلده قهر وعمله أمر

وليس لديه امل فى ان يصبح بغلا أو يسير فى ركب البغال  ولا يطارد خيلا يستأنس به ويعيش فى كنفه  قد يكون تواضعا وقد يكون عجزا ، صامت صمت الجاهل وصابر صبر العاجز  ولا بد له ان يحمل على ظهره ليس له اراده ولا يختال ويتمختر حتى بين اقرانه من الحمير  ، الا انه رغما عن ذلك يكفيه فخرا ان ذكره الله فى كتبه وامتطاه الرسل والانبياء فكان لهم سياره ، وان انكر الله صوته فليكون للانسان ايه ويعلم كيف ان الله اكرمه وهو الذى على تلك الحال سخره ، وان ضرب الله به المثل بالجهل حين يحمل اسفارا فهو للتقريب لان الاسفار حتى ولو حملتها الجمال  والاسود وكل الحيوانات والكائنات الغير عاقله تستوى هى والحمير ان انزلناها ذلك المنزل وهذا المثال، وحتى لو قضيت بان الحمار ليس غبيا فأن حكمى هذا لن يجد منفذا اذ سيظل بنى الانسان يلقبونه بالغباء ،وارتفع صوت القاضى نعم سيظل الانسان يلقب الحمار بالغباء.

وصل صوت القاضى الى الحمار وهو يؤكد على غباءه  وبعد ان هلل من فى الارض ان الحمار غبيا ، فتأوه الحمار وتملكه الغيظ وانتابته حاله من الهياج الشديد

فأخذ يجرى مسرعا يرفس كل من يقابله ويدوس على كل ما تقع عليه قدمه من تراب وزرع واعناق الحشرات وظل كذلك حتى فقد وعيه ، واصبح يتصرف بلا وعى حتى قلت حركته وضعف جهده وسكنت اطرافه فلا يحس بضرب ولا يسمع شتم ولا فرق لديه بين الحياة والموت ، وانصرف عنه كل من حوله فلم يعد ذلك الحمار الذى يركب بعد ان وصل الى حالة الضعف والهوان  واصبح فى حالة غيبوبه لا امل فى الافاقه منها ، ولم يجد الحمار الى جواره سوى صاحبه الذى كان دائما ينشغل عنه وتذرف عين الحمار عبرات الحزن والاسى  ثم اتبعها بعبرات الفرح والامل حين نما الى مسامعه ان الحزب الديمقراطى الامريكى اختاره رمزا للحزب  ، وان سعد الصغير 1_750870_1_34تغنى بحبه وتصدرت هذه الاغنيه فيما يطلبه المستمعون.

هنا بدأ الحمار يستعيد هدؤه ويسترجع قوته ونهض يؤدى عمله فى جلد وصبر ويسبح فى هدوء خالقه . والحمد لله رب العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 − اثنان =