المحكمة الدستورية العليا المصرية

 

قضية رقم 125 لسنة 18 قضائية المحكمة الدستوريةالعليا “دستورية

مبادئ الحكم: تشريع – ضرائب – دعوى دستورية – مصلحةمناطها – ضريبة – التقدير الجزافي – ضريبة – جباية – وعاؤها

نصالحكم

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد 11 ديسمبر سنة 2005 م، الموافق 9 من ذي القعدة 1426 هـ

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي

رئيس المحكمة

والسادة المستشارين/ ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي والسيد عبد المنعم حشيش

أعضاء

وحضور السيد المستشار/ رجب عبد الحكيم سليم

رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن

أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 125 لسنة 18 قضائية “دستورية”.

المقامة من

1- السيد/ …

2- السيد/ …

ضد

1- السيد/ رئيس مجلس الوزراء

2- السيد/ وزير المالية

الإجراءات

بتاريخ الرابع عشر من نوفمبر سنة 1996 أودع المدعيان صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا بطلب الحكم بعدم دستورية الفقرات 9، 10، 11 من المادة الأولى والمواد 27، 38، 39، 157، 158 من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار حكمها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعيين كانا قد قدما إلى مأمورية الضرائب المختصة إقراراتهما الضريبية عن السنوات من 1983-1986 متضمنه عدم تجاوز صافي أرباحهما المحققة الحد الذي يستحق عنه الضريبة عن نشاطهما التجاري والصناعي بورشة النجارة التي يشتركان في ملكيتها وذلك فيما عدا نشاط عام 1985 الذي حقق فيه المدعي الثاني ارباحا استحق عنها مبلغ 878.37 جنيه، ونظرا لأنهما غير ملزمين بإمساك دفاتر منتظمة فقد قامت مأمورية الضرائب المختصة بربط الضريبة المستحقة عليهما عن تلك السنوات الأربع بعد تقدير أرباحهما المحققة عن سنوات المطالبة بواقع 17681 جنيه و18772 جنيه و19848 جنيه و20916 جنيه على التوالي وطعن المدعيان على هذه التقديرات، وقررت لجنة طعن ضرائب القاهرة تخفيض التقدير إلى 4873 جنيه و5240 و5592 جنيه و5936 جنيه – على التوالي، وإذ لم يرتض المدعيان ذلك التقدير فقد أقاما الدعوى رقم 297 لسنة 1996 ضرائب كلي أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية طعنا على ذلك القرار، وضمنا صحيفة الدعوى دفعا بعدم دستورية المواد 13، 35، 36، 37، 38، 82 من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981، وبجلسة 5/9/1998 قدرت المحكمة جدية الدفع وصرحت لهما بإقامة الدعوى الدستورية فأقاما الدعوى الماثلة طعنا على الفقرات 9، 10، 11 من المادة الأولى والمواد 27، 38، 39، 157، 158 من قانون الضرائب على الدخل المشار إليه.

وحيث إن المدعي وقد دفع بعدم دستورية نصوص المواد 13، 35، 36، 37، 38، 82 من القانون رقم 157 لسنة 1981. وصرحت المحكمة برفع الدعوى الدستورية بشأنها إلا أنه أقام الدعوى الماثلة – وعلى ما سلف بيانه – طعنا على الفقرات 9، 10، 11 من المادة الأولى والمواد 27، 38، 39، 157، 158 من القانون رقم 157 لسنة 1981، ومن ثم فإن الطعن فيما عدا المادة 38، يكون غير مقبول باعتباره طعنا مباشرا يخرج عن نطاق تصريح محكمة الموضوع.

وحيث إنه لما كانت المصلحة الشخصية المباشرة – وهي مناط قبول الدعوى الدستورية – ترتبط بالنزاع الموضوعي بحيث تكون المسألة الدستورية المطلوب طرحها على هذه المحكمة لازمة للفصل في الطلبات الموضوعية ومرتبطة بها. وإذ كانت الدعوى الموضوعية تدور حول قيام مأمورية الضرائب المختصة بإهدار إقرارات المدعيين التي تمثل أرباحهما الحقيقية خلال سنوات المطالبة وتقديرها تقديرا مغالى فيه دون أسباب واضحة تستند إليها. فإن نطاق الدعوى الماثلة يتحدد فقط بنص الفقرة الثانية من المادة 38 من القانون رقم 157 المشار إليه فيما تضمنه من إعطاء الحق لمصلحة الضرائب في عدم الاعتداد بالإقرار المقدم من الممول وتحديد الأرباح بطريق التقدير الجزافي.

وحيث إن المادة 38 من القانون رقم 157 لسنة 1981 – المطعون عليها تنص على أنه “تربط الضريبة على الأرباح الحقيقية الثابتة من واقع الإقرار المقدم من الممول إذا قبلته مصلحة الضرائب.

وللمصلحة تصحيح الإقرار وتعديله، كما يكون لها عدم الاعتداد بالإقرار وتحديد الأرباح بطريق التقدير”.

وحيث إن المدعيين ينعيان على النص المطعون فيه، أنه أطلق يد مصلحة الضرائب في تقدير أرباح صغار الممولين بغير ضوابط أو أسباب عندما ترفض إقراراتهما، بينما هي ملزمة بإثبات ما تدعيه من تقديرات على الممولين الأخرين ممن يلتزمون بإمساك دفاتر ولا يقدمون إقرارات معتمدة من أحد المحاسبين، وهو ما يخل بمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين ويناقض مبدأ العدالة الاجتماعية الذي يقوم عليه النظام الضريبي مخالفا بذلك نصوص المواد 8، 38، 40 من الدستور.

وحيث إنه لما كانت الضريبة فريضة مالية تقتضيها الدولة جبرا وبصفة نهائية من المكلفين بها وهي بكل صورها تمثل عبئا ماليا عليهم ويتعين بالتالي، وبالنظر إلى وطأتها وخطورة تكلفتها – أن يكون العدل من منظور اجتماعي مهيمنا عليها بمختلف صورها محددا الشروط الموضوعية لاقتضائها نائيا عن التمييز بينها دون مسوغ، فذلك وحده ضمان خضوعها لشرط الحماية القانونية المتكافئة التي كفلها الدستور للمواطنين جميعا في شأن الحقوق عينها، فلا يحكمها إلا مقاييس موحدة لا تتفرق بها ضوابطها. ولما كانت السلطة التشريعية التي تنظم أوضاع الضريبة العامة بقانون يصدر عنها – على ما تقضي به المادة 119 من الدستور – يكون متضمنا تحديد وعائها وأسس تقديره وبيان مبلغها، والملتزمين أصلا بأدائها، والمسئولين عن توريدها، وقواعد ربطها وتحصيلها وتوريدها وضوابط تقادمها، وغير ذلك مما يتصل ببنيانها، كما أن الضريبة التي يكون أداؤها واجبا وفقا للقانون – وعلى ما تدل عليه المادتان 61، 119 من الدستور – هي التي تتوافر لها قوالبها الشكلية وأسسها الموضوعية، وتكون العدالة الاجتماعية التي يقوم عليها النظام الضريبي ضابطا لها في الحدود المنصوص عليها في المادة 38 من الدستور، إذ ليس ثمة مصلحة مشروعة ترتجى من وراء إقرار تنظيم ضريبي يتوخى مجرد تنمية موارد الدولة من خلال فرض ضريبة تفتقر إلى تلك القوالب والأسس، ذلك أن جباية الأموال في ذاتها لا تعتبر هدفا يحميه الدستور.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن تحديد دين الضريبة يفترض التوصل إلى تقدير حقيقي لقيمة المال الخاضع لها، باعتبار أن ذلك يعد شرطا لازما لعدالة الضريبة، ولصون مصلحة كل من الممول والخزانة العامة. ويتعين أن يكون ذلك الدين – وهو ما يطلق عليه وعاء الضريبة ممثلا في المال المحمل بعبئها – محققا ومحددا على أسس واقعية يكون ممكنا معها الوقوف على حقيقته على أكمل وجه، ولا يكون الوعاء محققا إلا إذا كان ثابتا بعيدا عن شبهة الاحتمال أو الترخص، ذلك أن مقدار الضريبة أو مبلغها أو دينها إنما يتحدد مرتبطا بوعائها، وباعتباره منسوبا إليه، ومحمولا عليه، وفق الشروط التي يقدر المشرع معها واقعية الضريبة وعدالتها بما لا مخالفة فيه للدستور، وبغير ذلك لا يكون لتحديد وعاء الضريبة من معنى ذلك أن وعاء الضريبة هو مادتها، والغاية من تقرير الضريبة هو أن يكون هذا الوعاء مصرفها. ولا يحول إقرار السلطة التشريعية لقانون الضريبة العامة دون أن تباشر هذه المحكمة رقابتها عليه في شأن توافر الشروط الموضوعية لعناصر تلك الضريبة؛ وذلك بالنظر إلى خطورة الأثار التي تحدثها، وتمتد هذه الرقابة إلى الواقعة القانونية التي أنشأتها وقوامها تلك الصلة المنطقية بين شخص محدد يعتبر ملتزما بها، والمال المتخذ وعاءَ لها محملا بعبئها، وهذه الصلة وهي التي لا تنهض الضريبة بتخلفها تتحراها هذه المحكمة لضمان أن يظل إطارها مرتبطا بما ينبغي أن يقيمها على حقائق العدل الاجتماعي محددا مضمونها وغايتها على ضوء القيم التي احتضنها الدستور.

وحيث إن المشرع في النص الطعين لم يحقق التوازن المطلوب بين أمرين هما حق الدولة في استئداء الضريبة المستحقة قانونا لما تمثله من أهمية بالغة نحو وفاء الدولة بالتزاماتها العامة تجاه الأفراد، وبين الضمانات الدستورية والقانونية المقررة في مجال فرض الضرائب على أفراد المجتمع لا سيما من حيث تحديد وعاء الضريبة تحديدا حقيقيا كشرط لعدالتها. ذلك أن المشرع قد منح مصلحة الضرائب سلطة عدم الاعتداد بالإقرار المقدم من الممول غير الملتزم بإمساك دفاتر تجارية واعتماد إقراره من أحد المحاسبين المعتمدين، واللجوء إلى تحديد أرباحه الخاضعة للضريبة بطريق التقدير الجزافي دون سند لديها من الأوراق أو القرائن، وهو ما قد يؤدي إلى انتفاء تحقق التقدير الحقيقي لوعاء الضريبة المفروضة، وإمكانية حصول الشطط في هذا التقدير ليجاوز أرباح الممول الفعلية، ويتعداها إلى أصل رأس المال فتدمره سيما والمفروض أن هذا الممول من صغار الممولين أصحاب النشاط التجاري والصناعي، فضلا عن أن ذلك التقدير الجزافي الذي تفرضه المصلحة، دون أدنى دليل وبغير ضمانات تكون كافلة لتقدير المقدرة التكيفية للممولين تقديرا حقيقيا، يصادم توقع الممولين المشروع، ويباغت حياتهم عاصفا بمقدراتهم حاكما لكذب إقراراتهم فلا يكون مقدار الضريبة الملزمين بأدائها معروفا لهم قبل استحقاقها، ولا عبؤها ماثلا في أذهانهم عند سابق تعاملاتهم الأمر الذي يؤدي إلى إهدار أسس وقواعد العدالة الاجتماعية على نحو يخالف حكم المادة 38 من الدستور، هذا فضلا عن أن النص الطعين – على نحو ما تقدم بيانه – وقد اعتمد أسلوب التقدير الجزافي كوسيلة لربط الضريبة وإعادة تقدير الأرباح بالنسبة لطائفة صغار الممولين من أصحاب النشاط التجاري الغير ملتزمين بإمساك دفاتر منتظمة أو اعتماد إقراراتهم الضريبية من أحد المحاسبين، يكون قد غاير بذلك ما انتهجه بشأن غيرهم من الممولين لذات الضريبة أو ممولي الضريبة على أرباح المهن غير التجارية، إذ اعتمد لهؤلاء وأولئك أسلوب التقدير الإداري فألزم مصلحة الضرائب إذا لم تقبل إقراراتهم أن تثبت مخالفتها وعدم مطابقتها للحقيقة بالأدلة والبراهين، وأن يكون تقديرها لوعاء الضريبة بناء على مؤشرات الدخل وغيرها من القرائن التي تكشف عن الأرباح الحقيقية للممول وتكاليف مزاولة المهنة والتي يصدر ببيانها قرار من وزير المالية. وهو بهذه المغايرة غير المبررة وإن قصد تمييزا لطائفة صغار التجار والصناع بإعفائهم من إمساك دفاتر تجارية منتظمة واعتماد إقراراتهم من أحد المحاسبين المعتمدين إلا أن هذه الميزة أضحت وبالا عليهم حيث ترتب عليها حرمانهم من المعاملة القانونية الكافلة لمشروعية فرض تلك الضريبة عليهم لضمان تقدير وعائها تقديرا حقيقيا يقوم على ما تنبئ عنه مؤشرات الدخل وغيرها من القرائن والأدلة بما يجعل هذا التمييز تحكميا ومنهيا عنه لمخالفته نص المادتين 8، 40 من الدستور، يؤكد ذلك عزوف المشرع عن أسلوب التقدير الجزافي عند إصداره لقانون الضرائب على الدخل رقم 91 لسنة 2005.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

أولا: بعدم قبول الدعوى بالنسبة للفقرات 9، 10، 11 من المادة الأولى ونصوص المواد 27، 39، 157، 158 من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981.

ثانيا: عدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة 38 من القانون رقم 157 لسنة 1981 فيما تضمنه من أن يكون لمصلحة الضرائب عدم الاعتداد بالإقرار وتحديد الأرباح بطريق التقدير وذلك دون وضع ضوابط أو معايير لهذا التقدير.

ثالثا: إلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − ثمانية =