مملكة الحمير

“فهم الحمير”

كان فى كل عصر وهذا الزمان : حصان فى غابة من الادغال ، فقد قطيعه ولم يستطع التوصل اليهم.. ظل يتلكأ ويجول بدروب الغابة ،حتى رأى قطيعا من الحمير نظر اليهم من بعيد ثم دنى منهم قليلا وبدأ يتمسح فيهم ويتودد اليهم خوفا على حياتة منهم حتى أستقر به المقام خارج اسوار مملكة الحمير ، رأت الحمير الحصان وبدات تتوجس منه خيفة واخذ كل منهما حذره من الاخر .

كانت الحمير كى يحس الحصان ويرى قوتهم لا يخرجون فرادى فى ذهابهم وأيابهم بل جماعات ،وكان الحصان أذا مر عليه القطيع وهو جالس شب قائما يهز رقبته فى الهواء أملا فى كسب ود وعطف القطيع..وكانت الحمير تنظر الى تلك التصرفات بنوع من الخوف وعدم الاحساس بالامن فى حضرتة ، فملأ الخوف قلوبهم .ظلوا على هذا المنوال حينا من الدهر حتى ألف كل منهما الأخر..

 وذات يوم هجم على مملكة الحمير أسد أخذت الحمير ترتع وتبرتع والاسد من ورائها ولما رأى الحصان هذا المشهد خاف على نفسه واخذ يعدوا ويرتع طلبا للنجاة منه واذ به واثناء تلك الهرولة وما أن هم الاسد باللحاق به وأفتراسه حتى ركله فقتله فى الحال؟

حينها هتف الحمير للحصان وبدأو فى الاحساس معه بالامن والامان وعرضوا عليه الاقامة معهم داخل المملكة ، يأكل ويشرب وينام .

دخل الحصان مملكتهم وعاش بينهم يأكل من عشيهم ويشرب من شرابهم ويسكن معهم فى زرائبهم ، وامعانا فى بيان جودهم وكرمهم عرضوا على الحصان ان يكون اميرهم وكبيرهم يقضى بينهم فى نزاعاتهم واقضيتهم .

قبل الحصان على أستحياء : دخل مملكة الحمير وأصبح سلطانا عليهم حتى ولو كان من غير سلطة لانه ياكل العشب كما يأكلون ويشرب الماء كما يشربون .. ويلتحف السماء ويفترش الثرى ،

وذات يوم واثناء خروج قطيع الحمير الى الادغال رأت من بعيد مملكة الاسود والنمور وانهم لا ياكلون الا لحما ، أقترح كبيرهم عليهم وهم فى طريق عودتهم الى مملكتهم باطعام الحصان – سلطانهم وملكهم  وسيدهم – لحما ؟ يعرضوه و يخبروه برؤيتهم ؟..

فلما وقفوا بين يديه قالوا أيها السلطان نحن نريد ان تزيد فينا رفعه ومقاما !

قال الحصان : وكيف ؟

قالت الحمير : لقد رأينا يا مولاى ان الاسود والنمور لا تاكل الا لحما وكيف وانت قاهرهم واعظم منهم تاكل العشب ؟

قال الحصان : ولكنى لم اعتاد على أكل اللحم ؟!

قالت الحمير : سوف تعتاد بعد ان تتذوقه .!

قال الحصان : وهل احضرتم منه شيئا أتذوقه ؟

قالت الحمير : تعلمنا منك يا مولاى ان نركل بأرجلنا الاسود والنمور فنقتلها وقد فعلنا يا مولاى واتينا به اليك بعد ان لهبته النيران واصبح ذو رائحة وطعام شهى .

قال الحصان : يا له من مذاق .

قالت الحمير : بالهناء يا مولاى .

قال الحصان : وهل ستأتون به كل يوم ؟

قالت الحمير : نعم يا مولاى .

تعود الحصان على اكل اللحم واستمر الحال فترة من الزمن حتى فاجا كبير الحمير قطيعه بخشيتة من ان يكون السلطان قد يتملكه الغيظ ويفتك بهم لعدم تقديمهم اى جديد منذ فترة

قالت القطيع : وماذا تقترح

قال بدلا من ان يذهب للبحث عن الماء ليشرب ويغتسل نحمل اليه نحن الماء

هللت الحمير فرحة بهذا العقل النير وهذا الاقتراح الجديد المقبول لديهم ؟1

مكثوا فترة على هذه الحال حتى هجر قطيع الاسود والنمور مملكتهم ومن خلفهم حيوانات الغابة ؟!

قالت قطيع الحمير:- وهى عائدة لا تحمل الا أسفارا –ماذا نقدم للحصان  السلطان ؟

قال احدهم نقول له ما علمنا وما رأينا ؟!

وقال اخر : وهل يصدقكم ؟!

وقال ثالث : أتركو الامر حتى الذهاب الى المملكة للتشاور مع الرعية والبقية الباقية بالمملكة ؟!

وبينما هم على تلك الحال سمعوا صوتا قويا ياتى من الخلف من جنسهم ومن بنى جلدتهم يشق الصفوف فى طريقه الى السلطان الحصان ؟

ولما دخل عليه قال : ايها الحصان ايها السلطان ان ابنى صغيرا قد قطعت ساقه وقطعها هذا الحمار – وقد اشار اليه – وكما ترى يا مولاى ساق أبنى مقطوعة ينزف الدماء وهذا الحمار الذى اشرت اليه هو من ارتكب هذا الجرم ؟!

وجد قطيع الحمير فى الواقعة فرصة عند السلطان تنجيهم من ذلتهم امامه .

فقالوا : يا مولاى هل لنا ان نقترح عليك ونحن اعلم ببنى جلدتنا ؟ وتقف على صواب رأينا وانت تعلم مقدار حبنا واخلاصنا ؟

قال الحصان : نعم تكلموا

قالو : نرى ان تأخذ هذا القدم المبتور وهو ذى لحم شهى طرى لذيذ لطعامك ؟1

لانه يا سيدى السلطان : ربما يكون هذا الصغير هو من وضع قدمه تحت قدم هذا الحمار فيكون جزاءه ان يعيش هكذا وغاية الايمان تقتضى ان نؤمن ان ما تم بحكمة الحكيم اذ لو عاش وكبر صحيحا بدون علة فربما يشرد ويخرج علينا فى يوم من الايام .

قال الحصان : ونعم الرأى .

ثم قال القطيع : اما هذا الحمار الذى هو متهم بقطع ساق هذا الصغير الذى لا حول له ولا قوة فربما يكون قد فعلها عن عمد وتعمد وحقد دفين الله وحده يعلمه ، فلا نرى له جزاء غير القتل ويكون شبعك وغذائك ؟

قال الحصان: ونعم الراى

اكل الحصان ساق الصغير وجسد الكبير

ثم أصبح قطيع الحمير فى هلع وارق من كيفية تجهيز طعام الافطار للحصان بعد نفاذ مصدر اللحم ، ماذ نفعل ؟ بدا الكل يفكر بعيدا عن الاخر : أزمة طاحنة مهلكة تنعقد لها الاجتماعات وتنفض ولا بارقة امل ، استغل هذا الانشغال اثنين من اكابرهم أصحاب هيبة واجلال وتعظيم فى نفوس كل القطيع بالمملكة ..

 واتفقا فيما بينهما خلسة على الذهاب الى الحصان حتى يكونا له زراعيه الايمن والايسر بحثا عن النجاة بانفسهم .. وما زالوا بالحصان حتى اصبحا من المصطفين لدية .

دب الياس فى الجموع ؟! فقال لهم فقيرهم ساذهب انا الى السلطان نيابة عنكم فهل توافقون ؟

قالوا : انت ايها الفقير الحقير ؟

قال : نعم

قالوا : وماذا ستفعل ؟

قال : ساقول له قولا لينا حكيما

قالوا مثل ماذا ؟

قال : ايها السلطان كنت تنام خارج المملكة فاويناك وغذيناك ورفعناك وفضلناك علينا ناكل العشب وتاكل اللحم وكنا نجد فى طلب الماء وتجده تحت قدميك ..

قالت الحمير : تعايره ؟

قال الحمار الفقير : ليست معايرة هى تذكرة ؟!

قالت الحمير : وما قصدك اذن وبغيتك

قال : ساطلب من السلطان ان يكون عند حسن الظن يصبر معنا كما صبرنا نحن عليه ؟

قالت الحمير : وهل سيوافق ؟

قال الحمار : ولما لا ؟

قالت الحمير : اذهب وتحدث بلسانك فان كان خيرا عم علينا وان كان شرا غم عنا .

ذهب الحمار ووقف بين يدى السلطان بعد ان اذن له بالمثول بين يديه ثم قال له : ايها السلطان : نفذ اللحم ونحن فى حيرة من امرنا وانت ان شاء الله نحسبك عند حسن ظننا

قال الحصان : وماذا افعل ايها الودود ؟

قال الحمار : تصبر معنا يا سلطان

قال الحصان : على الجوع :

 قال الحمار : بل على اكل العشب يا مولاى.

قال الحصان : وهل هذا يليق بالسلطان ؟

قال الحمار : نعم يليق به ان يكون فى مقدمة الصفوف ليضرب المثل لشعبه فى الصبر والتضحيه والتعايش المشترك

ألتفت الحصان الى الوزير الذى عن يمينه  والاخر الذى عن يساره وقال لهما هل لديكما من حل ؟

قال الذى عن يمينه : ايها الحمار كيف تدخل على سلطانك على هيئتك وبردعتك الرثة ايها الفقير الحقير ؟1

وقال الذى عن يساره :اسمح لى يا مولاى الخروج به من حضرتك كى ينال عقابه على اجترائة فى الدخول عليك ..

اخذاه قتلاه اطعماه السلطان ؟1

استن الوزيران بهذا سنة صارت شرعة ومنهاجا بتغذية الحصان لحوم الحمير وما زالوا بقطيعهم حتى افنوهم ولم يبقى فى المملكة غير الحصان ووزيرية الحميرين ..

فقال الحصان : تعودت عليكما :

قال الوزيران : وهل ستأكلنا يا مولاى

قال الحصان وكيف اعيش ان فعلت ؟

قال الحميران : ستعيش كما كنت وقبل ان نراك

قال الحصان : هل فسدت الاخلاق الى هذا الحد حتى يظن الخليل سوءا بخليله وانكم والله لاحب الى قلبى من نفسى

قال الوزيران : وماذا ستاكل

قال الحصان : عشبا

قال الوزيران وهل ستطيق

قال الحصان معكم تهون الحياة

قال الوزيران : وماذا سنفعل ان بقينا ثلاثتنا ؟

قال الحصان : ما ذا تامرون ؟

قال الوزيران : احدنا يؤنسك والاخر يذهب لياتى لك بالعشب والماء

قال الحصان : نعم الرأى والاخلاص والتفانى والايثار

ذهب احد الوزيرين لياتى بالعشب والماء للحصان ومكث الاخر يؤنسه  وبينما هم كذلك اذ احس الحصان بالجوع بدأ يفكر يتقدم ويتاخر حتى فتك بالوزير الذى هو انيسه وجليسه وتغذى عليه ؟

وعاد الاخر وجد الحصان باكيا

قال له : ما يبكيك يا مولاى

قال: خنت العهد   

اى عهد يا مولاى ؟

لقد اكلت الوزير .

قال الوزير : هى غلطتى تاخرت عليك

قال الحصان : كان عليى ان أصبر

قال الوزير هون عليك يا مولاى

قال الحصان : ساظل أبكى ندما طول حياتى

قال الوزير : حاول ان تنام يا مولاى

قال الحصان ومن أين ياتى النوم

قال الوزير : هدا من روعك واغمض جفونك وسوف اقوم على حراستك يا مولاى

ومازال الوزير بالسلطان الحصان حتى نام وسهر تحت قدمية حتى غلبه النوم هو الاخر ولما اصبح الصباح قام الحصان فوجد الوزير نائما تحت قدميه ولم يهدأ حتى بات الوزير فى احشائه  لانه قد تعود على اكل اللحم .

صارت المملكة الى خبر كان وكل ذنبهم فى انهم لم يفهموا ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 − 3 =